الشيخ محمد الصادقي

229

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

أدنى ، ثم عند النزلة رأى الرؤية ، وتلقى الوحي أم أوحي إليه فيهما ، وكما أوحى في سائر السماوات . « 1 » ثم ما هي سدرة المنتهى ؟ هل هي فقط المكان الأعلى فوق السماء السابعة العليا ؟ فبمجرد أنه مكان لماذا لم يسمح لجبرئيل ولا لأحد ممن سوى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أن يدنوا منها ! فلا بد أن تكون مكانة عليا ، وإن كانت في مكان أعلى فإن عندها جنة المأوى ، فلن تصل أهل الجنة إليها مكاناً ولا مكانة . ولأن الرؤية المعرفية لا حت عندها ، وليس لهذه الرؤية مكان ، فلتكن مكانة فيها تتكشف الحجب ، فيتحقق مقام « دَنا فَتَدَلَّى » لكي يوحي إلى عبده ما أوحى ! . نجد هنا تجاوباً تاماً بين ما يطلب موقف السدرة ، وما عناه لغة السدرة . فالسدرة واحدة السدر ، أو هيئة خاصة منه ، من سدر البصر : لم يكد يبصر ، والبعير تحير من شدة الحر ، والسادر المتحيِّر ، والسدر : اسدرار البصر وتحيره ، وكل هذه تجمعها صيغة واحدة : الستر والظل ، سميت بها شجرة السدر لكثرة غناءها في الاستظلال بسعة أوراقها ، فهي من شجر الجنة : « وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ » ( 56 : 28 ) . وبما ان ورقها تظل ظلًا واسعاً ، وتنظف عن الدرن ، عبر عن مقام التدلي بسدرة المنتهى ، منتهى السدرة : منتهى السترة والحجاب عما سوى اللَّه ، وغاية النزاهة عن أدرانها وانما سميت المنتهى لذلك ، ولأنها منتهى علم الخلائق ، ثم ليس لأحد ورائها علم ، فإنه من الغيب المخصوص باللَّه ، فلما تستر وتحجب في ذلك المقام عمن سوى اللَّه ، رأى اللَّه ببصيرة صافية دون حجاب ، اللهم الا حجاب الذات ، وبما ان السدرة - كذلك - هي الحيرة ، أصبح الرسول صلى الله عليه وآله في منتهى الحيرة لما وصل إلى منتهى المعرفة الإلهية الممكنة له دون سواه ، فاحتجب عمن سوى اللَّه ، فاخترق الحجب بينه وبين اللَّه : احتجب حتى عن نفسه فتدلى ، بعدما احتجب عن غيره إذ دنى « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى . فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى » و

--> ( 1 ) . كما يدل عليه الحديث رقم ( 1 ) « ومنها إلى حجب النور وخاطبه وناجاه هناك »